قطب الدين الراوندي

351

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فراغه قبل أوان شغله ، وفى متنفسه قبل أن يؤخذ بكظمه ، واليمهد لنفسه وقدمه وليتزود من دار ظعنه لدار إقامته . فاللَّه اللَّه ، أيها الناس فيما استحفظكم من كتابه ، واستودعكم من حقوقه ، فان اللَّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، ولم يدعكم في جهالة ولا عمى . قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم ، وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شيء ، وعمر فيكم نبيه أزمانا ، حتى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه [ دينه ] ( 1 ) الذي رضي لنفسه ، وأنهى إليكم على لسانه محابه من الاعمال ومكارهه ونواهيه وأوامره ، وألقى إليكم المعذرة ، واتخذ عليكم الحجة وقدم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد . فاستدركوا بقية أيامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، فإنها قليل في كثير الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة ، والتشاغل عن الموعظة ، ولا ترخصوا لأنفسكم ، فتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الادهان على المعصية . عباد اللَّه ، ان أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه ، وان أغشهم لنفسه أعصاهم لربه ، والمغبون من غبن نفسه ، والمغبوط من سلم له دينه ، والسعيد من وعظ بغيره ، والشقي من انخدع لهواه وغروره . واعلموا أن يسير الرياء شرك ، ومجالسة أهل الهوى منسأة للايمان ومحضرة للشيطان . جانبوا الكذب فإنه مجانب للايمان الصادق على شفا منجاة وكرامة ، والكاذب على شرف مهواة ومهانة . ولا تحاسدوا فان الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب ، ولا تباعضوا فإنها الحالقة . واعلموا أن الأمل يسهي العقل وينسي الذكر ، فأكذبوا الأمل فإنه غرور وصاحبه مغرور .

--> ( 1 ) الزيادة من نا ، يد . وفي م : ولكم دينه فيما . . .